أحمد زكي صفوت
442
جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة
فقال : السلام عليك بابن أبي سفيان ، هذا كتاب أمير المؤمنين ، فقال معاوية : أما إنه لو كانت الرسل تقتل في جاهلية أو إسلام لقتلتك ، ثم اعترضه معاوية في الكلام ، وأراد أن يستخبره ، ليعرف طبعا أو تكلفا ، فقال له ممن الرجل ؟ قال من نزار ، قال وما كان نزار ؟ قال كان إذا غزا انكمش « 1 » ، وإذا لقى افترش « 2 » ، وإذا انصرف احترش « 3 » ، قال فمن أىّ أولاده أنت ؟ قال من ربيعة ، قال وما كان ربيعة ؟ قال : كان يطيل النّجاد « 4 » ، ويعول العباد ، ويضرب ببقاع الأرض العماد ، قال فمن أىّ أولاده أنت ؟ قال من جديلة ، قال وما كان جديلة ؟ قال كان في الحرب سيفا قاطعا ، وفي المكرمات غيثا نافعا ، وفي اللقاء لهبا ساطعا ، قال فمن أىّ أولاده أنت ؟ قال من عبد القيس ، قال وما كان عبد القيس ؟ قال كان حسنا أبيض « 5 » وهّابا ، يقدم لضيفه ما وجد ، ولا يسأل عما فقد ، كثير المرق ، طيّب العرق ، يقوم للناس مقام الغيث من السماء ، قال ويحك يا ابن صوحان ! فما تركت لهذا الحىّ من قريش مجدا ولا فخرا ؟ قال بلى واللّه يا ابن أبي سفيان ؟ تركت لهم ما لا يصلح إلّا لهم ، تركت لهم الأحمر والأبيض والأصفر « 6 » ، والسرير والمنبر « 7 » ، والملك إلى المحشر . ففرح معاوية ، وظن أن كلامه يشتمل على قريش كلها ، قال : صدقت يا ابن صوحان ، إن ذلك لكذلك ، فعرف صعصعة ما أراد ، فقال : ليس لك ولا لقومك في ذلك إصدار ولا إيراد « 8 » ، بعدتم عن أنف « 9 » المرعى ، وعلوتم عن عذب الماء ، قال ولم ذلك ؟ ويلك يا ابن صوحان ! فقال الويل لأهل النار ،
--> ( 1 ) انكمش وتكمش : أسرع ، والكميش : الرجل السريع . ( 2 ) افترش فلانا : غلبه وصرعه . ( 3 ) احترش الشئ : جمعه وكسبه . ( 4 ) حمائل السيف ، وهو كناية عن طول القامة . ( 5 ) أي أبيض اللون كناية عن أنه حر لا رقيق ، أو أبيض العرض نقيه . ( 6 ) الأحمر : الذهب ، والأبيض : الفضة ( والسيف أيضا ) والأصفر : الذهب . كناية عن الغنى والثروة ( وقد كان لقريش في الجاهلية مركز تجارى هام ) . ( 7 ) كناية عن الملك والمقدرة الخطابية . ( 8 ) أورد إبله الماء وأصدرها : ردها وأرجعها . ( 9 ) روضة أنف : لم ترع .